السبت، يناير ١٠، ٢٠٠٩

الطريق

استيقظ خالد في فراشه المبتل بالعرق , نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط بجوار آية الكرسي ليجدها الثامنة صباحا.
كان يعرف كم الوقت قبل أن ينظر إليها , فطيلة عمره قد أعتاد في أيام الدراسة أن يستيقظ في الثامنة تماما , حيث أن الثامنة هي الساعة المقدسة لدق الطبول و بدأ طقوس نشيد الصباح في المدرسة التي تطل عليها نافذة حجرته. كانت المدرسة - كأي مدرسة حكومية أخرى – تستهل الطابور ببعض التمارين السخيفة , من نوعية التصفيق و الدوران و دق الأقدام على الأرض الصلبة .. كان إيقاع هذه التمارين ينحت أعصابه شيئا فشيئا , معيدا لذاكرته لقطات بعيدة لفتى مراهق يشبهه إلا أنه أكثر نحافة , يهرب مع زملائه من عصا المشرف ليختبئ في أحد مباني المدرسة التي تشبه السجون أكثر من أي شيء آخر ..
قطع أفكاره صوت الفتية الرفيع يهتفون : تحيى جمهورية مصر العربية .. تحيى جمهورية مصر العربية
ابتسم في مرارة و قام من فراشه ليتجه للحمّام , الماء قليل و بشرته ملتهبة و ذقنه نامية , لكنه مرغم على حلاقتها ليستعد للمقابلة الشخصية في العاشرة صباحًا .. كان قد توقف عن عد المرات التي قام فيها بمقابلة شخصية لوظيفة ما و لم يتم قبوله .. للدقة هو توقف عن العد بعد المقابلة العشرين .

توجه لمائدة الإفطار التي تعدها والدته بلا كلل منذ ثلاثين عاما , نفس الأطباق و نفس نوعية الطعام و لكن على الأقل توجد كمية من الفول تكفي لإشباعه حتى ميعاد الغداء .
كان أبوه يتناقش مع أخيه الطالب في كلية الآداب بحماسة بالغة عن بيع أحد البنوك لمستثمر عربي , كان أبوه يهاجم الصفقة معلنا قناعته الأبدية بأن القرار ضد مصلحة الشعب .. طالما اتخذته الحكومة فهو ضد مصلحة الشعب , أما أخوه فكان يعتقد بأن السماح لرؤوس الأموال العربية بالاستثمار في مصر هو الحل السحري لمشاكلنا الاقتصادية.
أنهى خالد إفطاره شاردا , دخل غرفته ليرتدي بذلته الوحيدة بنية اللون , و كما اعتاد لم يجد القميص فاستعار قميصًا من أبيه متغاضيا عن اصفرار الياقة و عدم تناسق لونه مع لون البذلة .

قبل أن يخرج من باب الشقة سمع صوت أمه : " ربنا يوفقك يا بني , و ينصرك إن شاء الله " .. دس والده في يده ورقة مالية من فئة العشرة جنيهات , على الرغم من بكاء سنواته الخمسة و عشرين على هذه الحقيقة المريرة .
انتظر خالد الحافلة الصغيرة التي سيستقلها لمصر الجديدة حيث شركة السياحة , لاحظ مستغربا كم السيارات الحديثة التي تملأ الشارع المزدحم .. لابد أن هناك طريقا سحريا لا يمشي فيه إلا المحظوظون و يصل بهم للثراء .. و هذا الطريق ليس التعليم و لا الإخلاص للوطن و لا المعرفة .. يوما ما سيعرف ما هو ..
قاطع أفكاره هذه المرة ظهور حافلة الخدمة المتميزة , أو هكذا يسمونها , و هي حقا متميزة, إذ تتميز بضيقها الشديد و تكدسها بالركّاب و ارتفاع ثمن التذكرة .. هو يفهم أن ينخفض مستوى وسائل المواصلات الحكومية الرخيصة , أو أن ترتفع كلفة ركوب وسيلة مواصلات مريحة , أما أن تدفع أغلى ثمن لتحصل على أسوأ خدمة فهذه واحدة من معجزات مصر المحروسة .
استسلم خالد لسريان الركاب الصاعدين للحافلة , محاولا أن يتفادى الأقدام التي جعلت هدفها أن تدوس على حذائه , و هو نفس الحذاء الذي ارتداه يوم أن تخرّج في كلية التجارة منذ أربعة أعوام .. حتى تذكّر هذا اليوم أصبح يجلب طعما مريرا لفمه , طعم بقايا الأحلام المنسية التي تساقطت واحد تلو الآخر لتدوس عليها الأقدام هي الأخرى .

وصل خالد للشارع الذي تقع فيه الشركة في التاسعة و النصف , بعد أن خسر الكثير من رونقه إذا وضعنا في الاعتبار أنه لم يكن يملك من الرونق الكثير ليفقده , باختصار بدا كمندوب دعاية متحمس يغرق في العرق و يبذل جهده ليبيعك سلعة لا تحتاجها و لن تحتاجها.
فكّر خالد , كيف يقضي هذه النصف ساعة .. لا توجد مساجد مفتوحة في هذا الوقت كما أنه لا يستطيع أن يجلس في مقهى من مقاهي مصر الجديدة الفاخرة , هذه المقاهي اللعينة التي يطلقون عليها اسم ( كافيه ) و يعتبرون هذا سببا كافيا كي يسلبوا الزبائن ما يزيد عن خمسة أضعاف أثمان ما تقدم من مشروبات .هداه تفكيره أن يقف أمام العمارة إلى ما قبل الموعد المرتقب بعشر دقائق ثم يصعد للشركة .

راقب من موقعه المزيد من السيارات الفارهة التي تقودها الحسناوات ذوات الشعر الثائر و النظارات الشمسية , و المزيد من مناديي السيارات ذوي الصافرات المعدنية و الفوط الصفراء الذين يقفون بجوار الرصيف منتظرين أن تتحرك سيارة حتى يقفزوا بجوار شباك السائق ملوحين بالتحية مبتسمين تلك الابتسامة المتملقة القبيحة .. راقب ردة فعل منادي هزيل لم تمتد يد ( الباشا ) لتعطيه الحسنة / الأجر مما جعله يردد بعض الشتائم بعد أن انطلقت السيارة , إلى هذا الحد أقنع المنادي نفسه بأحقيته في أخذ بعض الجنيهات من السيارات نظير أن تنتظر في الشارع و بدون تقديم أي خدمة تذكر !!

كم يكره شهر مايو ! في هذا الشهر المبكر نسبيا من الصيف تبتل كل الموجودات حوله بالعرق , تصبح أنفاسه لزجة و يسكن بحر من الملح في جوف عينه , فيجففها بكم قميصه مما يتسبب في مزيد من القذارة .. لم يكن هذا السبب الرئيسي لتوتره و نفاذ صبره , لكن حقيقة أنه يبحث عن عمل بلا جدوى منذ أن أنهي الخدمة العسكرية ( حيث عمل كنادل في إحدى نوادي الجيش بعض أن توسّط له أخو زوج خالته المقدم ليقضي فترة التجنيد في القاهرة بدلا من إحدى معسكرات الجيش بالسويس) كانت تجعله يائسا من كل شيء , تنازل عن حلمه في أن يصبح معيدًا بالكلية بعدما رفضوا تعيين أي معيدين في تخصصه على الرغم من كونه ثاني الدفعة , و تم تعيين سبعة معيدين في التخصص الآخر و تصادف أن يكون السادس ابنا لرئيس القسم .. ثم تنازل عن حلمه بأن يعمل في إحدى البنوك الأجنبية بعدما أيقن أنه لا يجب أن تقل واسطته عن مدير بذات البنك ليتم تعيينه فيه .. و فشل تماما أن يجد عملا بدبي أو الكويت أو أي دولة أخرى كما يحلم كل أبناء جيله .. أما الكلام عن ارتباطه بالفتاة التي أحبها لثلاثة أعوام بالكلية فقد أصبح نوعا من التاريخ أو الخيال العلمي , بلا وظيفة أو شقة أو سيارة أو حتى حذاء جديد .. يمكنه أن يتعرف على فتاة في الخامسة من عمرها و يعدها بالزواج , و يطمح أن يكون هو قادرا عليه عندما تصبح هي مستعدة له .

صعد في المصعد المكيّف إلي الدور الرابع حيث توجد الشركة, و بعد أن خرج منه مشي في الممر المؤدي لها و الذي غطت حوائطه ملصقات جميلة جدا و مبهرة جدا , تُظهر مصر التي لا يعرفها .. البحر الأحمر و الشعاب المرجانية و جبال سيناء , المزيد من المعابد و الجزر النيلية و وجوه سمراء تنظر لك في ترحاب .. أم لعله استجداء..
دخل المكتب ليجد – كالمعتاد – ما يقرب من عشرة متقدمين يرتدون ذات البذلة البنية و القميص الغير لائق .. لكم يحطمه هذا الشعور .. الشعور بانعدام الاختلاف و عدم التميز .. لقد حوله النظام العقيم و الخط الذي مشى عليه منذ ولادته إلى نسخة كربونية لا تختلف عن ثلاثة ملاين شاب مصري عاطل عن العمل , حتى أحس أنه سينتظر حتى يعملوا جميعا إلى أن يأتي دوره في العمل ..
في العاشرة و النصف دخل لإجراء المقابلة , نفس المدير البدين ذو الشارب و البذلة الفاتحة و الذقن المحلوقة بعناية , أحس أنه قابله من قبل و رفضه أكثر من عشر مرات .. لابد أن ابنته حسناء ثائرة الشعر ترتدي نظارة شمسية و تقود سيارة سريعة , و ابنه في احدي الجامعات الخاصة تنتظره وظيفة في شركة أبيه و مرتبط بفتاة في مثل ثرائه , أيضا حسناء ثائرة الشعر و تقود سيارة سريعة !

بعد الأسئلة المعتادة و الإجابات المعتادة , انتهت المقابلة بوعد مجامل – أم وعد كاذب – بأن يتلقى اتصالا من الشركة في أقرب فرصة , في خلال ساعة كان خالد يستلقي على فراشه محدقا في السقف بعين لا ترى .. يحس أنفاسه ثقيلة و كل عظامه مفككة ... من قال أن البكاء ينتقص من الرجل ؟ إنه الدليل الوحيد أنه ما زال يشعر و لم يتحول لقطع ماشية بعد .

نام و هو يفكّر في مرارة .. كم تنازل عن طموحات و أحلام .. كم بذل من جهد يكفي بذله في أي مكان آخر أن يكفل له الحياة الكريمة التي يستحقها ..
فكّر .. نحن في مصر نتنازل عن أحلامنا و طموحاتنا و نرضى بأقل القليل الذي يكفل لنا هامشا من المسرات في هذه الحياة , ثم بعد هذا لا نجد حتى هذا القليل , فنرضى بأقل منه , فلا نجده , فنتنازل و نتنازل حتى نرضى بقوت يومنا ... و بعد كل هذا نجده مسمما و ملوثا ...

استيقظ في الصباح – كالمعتاد – في الثامنة تماما , بعد طقوس الصباح المعتادة ارتدى البنطال الأزرق ( الجينز ) و إحدى القمصان .. سأله والده عن وجهته , فرد فرحا أنه تم قبوله في الوظيفة أمس , وأنه أراد أن يجعلها مفاجأة لهم , عانقه والداه فرحين و قد ترقرقت دموع أمه ..

مر في طريقه بمحل للخردوات , اشترى منه صافرة معدنية و فوطة صفراء , و ركب ذات حافلة الأمس متجها لمكان عمله الجديد .

القاهرة في 4 يونيو 2008

السبت، أكتوبر ٢١، ٢٠٠٦

في الأول

من بين آلاف الأفلام ، و آلاف الكتب و القصص و الروايات ، و آلاف الأغاني ، و آلاف المدونات ، و آلاف الخطوات ، و آلاف الضحكات ، و آلاف الأفكار المجنونة الكئيبة الضاحكة ، و آلاف كل حاجة ممكنة حتى السندوتشات ... طلع شوية كلام ! شوية كلام واقف في زوري و لازم أحكيه .. أقوله بقى للدكتور أقوله لصورتي في المراية ، أعمل زي توم هانكس لمّا كان لوحده على الجزيرة و اتكلم مع كرة ... مش مهم ، بس أنا حاسس إن في مرض منتشر اسمه " حب التعبير عن الذات " ، مش لازم تقاوم المرض عشان تنتصر عليه ... ساعات استسلامك للمرض و تعايشك معاه بيبقى هو الانتصار اللي بجد ... ( كلام كبير )

بعدين هنشوف